اسماعيل بن محمد القونوي
399
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
فأنت مخير في التشبيه بهما أو بأيهما « 1 » شئت ولهذا المقام تفصيل يطلب في تفسير قوله تعالى : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ [ البقرة : 19 ] الآية . قوله : ( فإن أعمالهم لكونها لاغية لا منفعة لها كالسراب ولكونها خالية عن نور الحق ) فإن أعمالهم أي أعمالهم الحسنة لكونها لاغية لانتفاء شرط صحتها لا منفعة لها بيان للغويتها كالسراب ولكونها خالية الخ فحينئذ يكون لفظة أو بمعنى الواو حيث قال ولكونها بالواو ولم يقل أو لكونها خالية لكن لا يلائم قوله أو للتخيير لأنهم صرحوا بأن الجمع بينهما لا يصح في التخيير إلا أن يقال لا يتحقق الجمع في الاعتبار وإن أمكن الجمع . قوله : ( كالظلمات المتراكمة من لجج البحر والأمواج والسحاب ) هذا بملاحظة ما بعده . قوله : ( أو للتنويع فإن أعمالهم إن كانت حسنة فكالسراب وإن كانت قبيحة فكالظلمات ) أو للتنويع عطف على للتخيير أي كلمة أو للتنويع لا للتخيير فإنه لا خيار ح في التشبيه كما عرفته لكن هذا خلاف الظاهر فإن الأعمال القبيحة غير ملتفت إليها لظهور حالها ووخامة مآلها فلا جرم أن المراد الأعمال الصالحة « 2 » حيث يظن أنها نافعة فأخبر بأنها لاغية وأما القبيحة فلا خطر لبال أحد أنها منجئة حتى رد بأنها مهلكة . قوله : ( أو للتقسيم باعتبار وقتين فإنها كالظلمات في الدنيا والسراب في الآخرة ) أو قوله : كالظلمات المتراكمة بيان لجمع الظلمات واللجي العميق الكثير الماء منسوب إلى اللج وهو معظم ماء البحر . قوله : فإن أعمالهم لكونها لاغية إلى آخره بيان لوجه الشبه في تشبيهها بكل من السراب والظلمات . قوله : أو للتنويع يعني كلمة أو في قوله سبحانه أَوْ كَظُلُماتٍ [ النور : 40 ] إما للتخيير أو للتنويع فإن كان للتخيير يكون المشبه أمرا واحدا يشبه تارة بالسراب وتارة بالظلمات وإن كان للتنويع يكون المشبه أمرين شبه أحدهما بالسراب والآخر بالظلمات فإن عمل الكافر على نوعين حسن مثل العدل والجود وغيرهما من محاسن الأعمال التي عملها بعضهم وقبيح كأضداد المذكورات فشبه عمله الحسن بالسراب الذي يرى ظاهرا حسنا لصفوته ولطافته لكن لا حقيقة لها في المعنى كما أن حسن عمل الكافر كذلك يرى في الظاهر حسنا لكنه لكونه لا أساس له لغو وشبه عمله القبيح بالظلمات التي لا حسن فيها بوجه كما أن قبيح فعله كذلك . قوله : أو للتقسيم باعتبار وقتين فإن عمل الكافر على قسمين قسم شبيه بالظلمات وقسم شبيه بالسراب لكن هذين القسمين لا يتغايران بالذات بل هما متحدان بالذات متغايران بالصفة والحال
--> ( 1 ) أي فأنت مخير في التشبيه بأحدهما شئته لأنه مقتضى أو لكنه لم يشر إليه في توضيح المعنى بل اختار الأول وهو التشبيه بهما معا بالاعتبارين . ( 2 ) ألا يرى أن الأعمال السيئة لا يظن أنها نافعة من المؤمنين فضلا عن الكافرين فلا لطف في تشبيهها بالظلمات .